الغزالي

174

إحياء علوم الدين

وما بنا إلى إنسان مع الله حاجة ، فلقد مضينا وتركناك ، ولو أقمنا ما نفعناك ونظر رجل إلى امرأة بالبصرة فقال : ما رأيت مثل هذه النضارة ، وما ذاك إلا من قلة الحزن . فقالت يا عبد الله ، إني لفي حزن ما يشركني فيه أحد . قال فكيف ؟ قالت إن زوجي ذبح شاة في يوم عيد الأضحى ، وكان لي صبيّان مليحان يلعبان ، فقال أكبرهما للآخر . أتريد أن أريك كيف ذبح أبي الشاة ؟ قال نعم . فأخذه وذبحه ، وما شعرنا به إلا متشحّطا في دمه . فلما ارتفع الصراخ هرب الغلام فلجأ إلى جبل ، فرهقه ذئب فأكله ، وخرج أبوه يطلبه ، فمات عطشا من شدة الحر . قالت فأردنى الدهر كما ترى فأمثال هذه المصائب ينبغي أن تتذكر عند موت الأولاد ليتسلى بها عن شدة الجزع فما من مصيبة إلا ويتصور ما هو أعظم منها ، وما يدفعه الله في كل حال فهو الأكثر بيان زيارة القبور والدعاء للميت وما يتعلق به زيارة القبور مستحبة على الجملة للتذكر والاعتبار . وزيارة قبور الصالحين مستحبة لأجل التبرك مع الاعتبار . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] نهى عن زيارة القبور ثم أذن في ذلك بعد ، روي عن علي رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] أنه قال « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّها تذكَّركم الآخرة غير أن لا تقولوا هجرا » . [ 3 ] وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه في ألف مقنع ، فلم ير باكيا أكثر من يومئذ [ 4 ] وفي هذا اليوم قال « أذن لي في الزّيارة دون الاستغفار »